الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه، أما بعد:
فقد فهمتُ من السؤال أنك وجدتَ عقارًا وأردتَ شراءه بمبلغٍ ما، فلما ذهبتَ لشرائه وجدتَ شخصًا آخر قد دفع مبلغًا للمكتب كعربون، وهو في انتظار دفع باقي الثمن.
فإن كان هذا المكتب وكيلًا عن صاحب العقار، بمعنى أنه قائمٌ مقامه، فكأنما تمَّ البيع بين الرجل الذي دفع العربون وبين المكتب، أو بينه وبين صاحب العقار.
وقد نهى النبي ﷺ — في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم — فقال:
«لا يبع بعضكم على بيع بعض، ولا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له الخاطب».
ومعنى ذلك:
أنه لا يجوز للإنسان أن يأتي إلى شيءٍ قد اتفق عليه غيره مع البائع، فيفسد عليه هذا الاتفاق.
فمثلًا:
لو أن رجلًا أراد أن يشتري شيئًا، فاتفق مع البائع على الثمن، وقال له: "تم"، ثم أعطاه مبلغًا من المال عربونًا، وقال: "سآتيك بباقي الثمن بعد شهر، أو بعد يوم، أو بعد أسبوع"، وقد قبل البائع هذا الاتفاق، فلا يجوز لك أن تأتي بعد ذلك وتقول:
"أنا معي المال كاملًا الآن، فلماذا تنتظر؟"
لأن البائع قد يطمع في المال الحاضر، فيقول لك:
"اترك البيع الأول، وأنا أبيعك أنت"، وربما خفّض لك الثمن لأنه سيأخذ منك المبلغ كاملًا دفعة واحدة.
وهذا لا يجوز إذا كنت تعلم أن أخاك قد سبقك بالاتفاق مع البائع؛ لأن هذا يُعدُّ بيعًا على بيع أخيك.
وهذا مثل الخطبة على خطبة الأخ تمامًا.
فمثلًا:
رجلٌ ذهب ليخطب امرأة، فرآها ورأته، وقَبِل كلٌّ منهما الآخر، ورضي الولي، ورضيت المرأة، ورضي الرجل المتقدم للخطبة.
ثم تأتي أنت بعد ذلك — حتى لو لم تكن تعلم أولًا — فيرونك أفضل منه:
أفضل في المال، أو المنصب، أو الأسرة، أو نحو ذلك، فتميل المرأة إليك أكثر، وقد كان أخوك قبلك قد اتفق معهم ومال كل طرف إلى الآخر.
فهنا لا يجوز لك أن تخطب هذه المرأة، حتى لو أرادوك هم، ما دام قد حصل الركون والقبول بين الطرفين.
أما إن لم يحصل هذا الركون، فلا بأس أن يُنظر في أكثر من خاطب.
فقد ترى المرأة مثلًا رجلًا واثنين وثلاثة متقدمين للخطبة، وكذلك أهلها يقولون: "سننظر أيهم أفضل".
ولهذا جاء في حديث فاطمة بنت قيس رضي الله عنها، لما طلّقها زوجها ثلاثًا، فجاءت تستفتي النبي ﷺ، فقالت:
"يا رسول الله، خطبني معاوية وأبو الجهم".
فقال لها النبي ﷺ:
«أما معاوية فصعلوك لا مال له، وأما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه»
أي: كثير السفر، أو كناية عن أنه يضرب النساء.
ثم قال لها:
«انكحي أسامة»
أي: أسامة بن زيد رضي الله عنهما.
فتزوجت أسامة.
فهنا تقدَّم لها اثنان، والنبي ﷺ أشار عليها بثالث، لكنها لم تكن قد قبلت أحدًا منهما، ولم يحصل الركون التام، ولذلك جاز أن تُعرض عليها خيارات أخرى.
أما إذا قبلت المرأة، وقبل أهلها، وقبل الرجل، وركن كل طرف إلى الآخر، فلا يجوز لغيره أن يتقدم.
وحتى لو كنت لا تعلم في البداية، ثم قبلوك، ثم علمتَ بعد ذلك أن هناك من سبقك، وأنه لم يترك الخطبة ولم يأذن لك، فلا يجوز لك أن تكمل في هذه الخطبة.
وكذلك تمامًا في البيع.
فالصورة التي وصفتها هي بيعٌ على بيع الأخ؛ لأن هذا المكتب في حكم الوكيل عن صاحب العقار.
وصاحب العقار حين وكّل المكتب، وجعل العقار معروضًا للبيع بهذا الثمن، ثم أخذوا من الرجل عربونًا، فهذا يدل على أن صاحب العقار قد قبل البيع من حيث الأصل، ورضي أن ينتظر حتى يأتي المشتري بباقي الثمن.
ففي هذه الحال:
إما أن يترك أخوك هذا البيع ويأذن لك أن تشتري أنت،
وإلا فلا يجوز لك أن تشتري هذا العقار.